اثنان لا يجتمعان المخبر والصحفي
متفرقات

ليَسلَم الوطن..

“خالد إقبال”، كاتبٌ بإسمٍ وهميّ،استُعمِلَ هذا الإسمُ من قِبَل فتاةٍ تركيّةٍ أثناءَ احتلالِ اليونان، إسمٌ قد وَصلَت مقالاته إلى مَن فقدوا الأمل، إسمٌ قد هزَّ وصولهُ جيش الاحتلال، فقد كان القلمُ هو السّلاح الأقوى، فربّما يمكنهم سحب السلاح من أحدهم لكن لا يمكنهم قتل أفكاره، ولو قتلوا “خالد إقبال” لخرج خالد إقبال آخر، فمن يبعث الأمل في شعبٍ يائسٍ غير الكلمات؟ ومَن يُنهِضُ شعبًا متألّمًا خائبًا غير العبارات المحفّزات؟ تلك الكاتبة آمنت أنه لا يهم من تكون كي تحارب، بل المهم كيف تحارب. ماذا يفرق حالهم حينها عن حالنا الآن؟ كتبوا نصرةً لتحرير الإحتلال ونحنُ كذلك، لكنّنا نواجه احتلالًا من كثيرٍ من الجهات، محتلّينا مختبئين تحت شعاراتٍ كثيرة، الدّولةُ التي نواجهها ما هي إلا واجهةٌ أماميّةٌ يتشعّب منها محتلّين كُثُر، ربّما البعض يقول أهذا وقت الكلام ونحن في مصيبة “كورونا”؟ بل إنّه وقته تماماً، لأنّنا نعرف الشخص عند المصائب أضعاف ما نعرفه عادةً، تلك الدولة التي نحاول إسقاطها؛ أقصد، كنّا قد حاولنا إسقاطها يومًا ثم استسلمنا، ما هي إلّا أغصان شجرةٍ وليست جذورها، لكنّ الشجرة لم تنبت بدونِ سُقيا، نحنُ مَن سقيناها بماءٍ عذبٍ فجعَلَتْنا نرتوي بدماء الشهداء، الشهداء؟! صحيح ،أنتم صامتين فالطبع نسيتم، أم أنّكم فضّلتم قول”الّلهمّ نفسي” بدل التّكلّم؟ أم أنّه لا مانع عندكم أن تذهب دماء الشهداء هدرًا؟ أم أن الشّهداء المنتفضين قد ضحّوا بأنفسهم لإيصال حقّنا عبثًا؟ أو أنّ مئات شهداء المرفأ قد قطّعوا أنفسهم ضحيّة ظلمٍ نحن ما زلنا صامتين عليه؟ تلك التي على الأرض دماء، والتي تصعد إلى السماء أرواح، والذي ينفطر، قلب أمّهات، الأمر ليس كخسارة صفقةٍ تجاريّة، أمّا عن الذين يموتون اليوم فقد خنقهم الاستبداد، وقُطِعَ نفسهم بسبب الصّمت، فقدوا أوكسجين الحياة لأنّ الدّولة لم تَعُد تسعهم، على الرّغمِ من أنَّ الوطن يَسَع الجميع، ربّما يحين دور أحدٍ من أهلنا يومًا، حينها سيبحث الفاقد عن شعبٍ يقفُ معهُ لمحاربةِ الألمِ لكنّه لن يجد، لأنّنا جبناء، إذا ما تألّمنا ما تعلّمنا، وحتّى لو تألّمنا فننسى ما تعلّمنا ثمَّ يأتي دورنا فنُنسى، كما نسينا دماءً جعلَتِ البحر الأبيض أحمرًا، نحن جبناءٌ لدرجةِ أن نموت واحدًا تلو الآخر ولا نملك سوى البكاء، لا نملك سوى بعض الشّتائِمِ لدولتنا العزيزة، لكنّكم لا تعلمون من تكونون حقًّا، ربّما نخاف لهذا السّبب، لأننا لا نعرِفُ قيمة أنفسنا، نحن الشعب الذين حاولوا جعْلَ تعليمهِ صعبًا، فإمّا أن يدفع مالَ قارون، أو يتعلّم بمنهجٍ لم يتغيّر منذ قرون، هذا غير دخول الجامعة، لكن نحن تعلّمنا ونغوص في بحور العلم، نحن الّذين إذا تعاونّا أنرنا ساحة الشهداء وعلّمنا النّاس معنى الصّلح، نحن الذين رغم الفقرِ قناعتُنا شَبِعة،نحن الذين لا ننحني ولو قطّعوا رقابنا، نحن الّذين جعلونا نستخفّ بأنفسنا لأنّهم يعلمون ماذا نفعل إذا وثقنا بأنفسنا، لكنّنا للأسف نصدّقهم، ربّما لديهم أسلحةٌ يرفعونها ونحن لدينا أقلامٌ نرفعها، لدينا قلوب أمّهاتٍ نصرخُ بها، ما زال لدى بعضنا أكسجين لم يسلبوه، ما زال بإمكاننا قَطعُ أنفاسهم، ليس بأن نحاربهم وجهًا لوجهٍ لأنّ يتّخذون مئة وجهٍ للإختباء خوفًا من قيامتنا، فإذا قمنا هزَّ عرشهم، نحن سنحاربهم بالنّجاح بما لا يجعلونا ننجح به، ننشِئ مئاتًا من خالد إقبال بينما نحنُ في المنزل، على أملٍ أن ينسري الوباء فنخرج بقلوبنا المتألمة التي لم تستطع الصّمود حتّى النّهاية في المرّة السّابقة بسبب الخوف، فإن خِفتُ الآن ماذا سأقول لإبني إن سألني يوماً، مَن أنا؟ أريد أن أقول، أنتَ لبنانيٌّ ذو تاريخٍ عظيمٍ، أنتَ مِن شعبٍ صمد لسنينٍ على الظّلمِ حتى إذا دبّت فيه الشجاعة حارب الظّلم ومسبّبهِ وأقامَ القيامة لتعيش الحياة الهنيّةَ التي تعيشها الآن، لكن ماذا إن خفنا؟ حينها لن أقول لإبني أنت من لبنان، لأنّ لم لبنان سيتجرّدُ مِن كونِهِ وطن، سيصبح ارضًا قاحِلةً مهجورةً من كثرةِ الهجرة،
وفي نهايتنا أقول للشّهداء، لتَسلَم أرواحكم، وليَسلَم الوَطن.

بقلم صفاء مكداشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى